مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

176

تفسير مقتنيات الدرر

ثمّ قال : * ( [ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ] ) * فإن رضيتم عنهم لجهلكم بحالهم فإنّ اللَّه لا يرضى عن من خرج دينه أي لا ترضوا عنهم وباعدوهم كما تجتنبون من النجاسات أي إنّ ظاهرهم نجس وباطنهم أيضا خبث ونجس فكما أنّه يجب التحرّز عن الأرجاس الجسميّة كذلك يجب الاجتناب عن الأرجاس الروحانيّة بل أولى خوفا من سريانها إلى الإنسان وحذرا من أن يميل الطبع إلى تلك العقائد والأعمال . ثمّ قال : * ( [ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً ] ) * على ما اكتسبوا من النفاق والكفر . وهذه المعاني مذكورة في الآية السابقة وقد أعادها اللَّه هاهنا مرّة أخرى يمكن أن يكون الأوّل خطابا مع المنافقين الَّذين كانوا في المدينة وهذه الآية خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي ولمّا كانت طرقهما متقاربة من أهل الحضر والبودي لا جرم كان الكلام معهما على مناهج متقاربة ويؤيّد هذا التأويل آية بعدها . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 97 إلى 98 ] الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّه ُ عَلى رَسُولِه ِ وَاللَّه ُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) وَمِنَ الأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّه ُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) « رجل عربيّ » إذا كان من العرب وإن سكن البلاد ، و « رجل أعرابيّ » إذا كان ساكنا في البادية والعرب صنفان عدنانيّة وقحطانيّة والفضل للعدنانيّة برسول اللَّه ، يقال : رجل عربيّ إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب . ورجل أعرابيّ إذا كان بدويّا يطلب مساقط الغيث والكلاء سواء كان من العرب أو من مواليهم ، ويجمع الأعرابيّ على الأعراب والأعاريب فالأعرابيّ إذا قيل له : يا عربيّ فرح ، والعربي إذا قيل له : يا أعرابيّ غضب فالعرب سكّان الأمصار والأعراب سكّان البوادي . وإنّما سمّي العرب عربا قيل : لأنّ أولاد إسماعيل نشئوا بعربة وهي موضع تهامة فنسبوا إلى موطنهم وقيل : سمّي العرب عربا لإبانة كلامهم وفصاحة نطقهم لأنّ ألسنتهم معربة عمّا في ضمائرهم . قيل : إنّ حكمة الروم في أدمغتهم وحكمة الهند في أوهامهم ، وحكمة اليونان في أفئدتهم لكثرة مالهم من المباحث العقليّة ، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لجزالة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم كقوله مثلا : لا وأيّد اللَّه الأمير .